الحياة الروحية في المسيحية هي الحياة في الروح القدوس، والذي يقتني الروح القدس يُسَمّى إنسان روحي، “لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم ابناء الله” (رو 14:8).
تشكل الحياة بالروح القدس هدف الإيمان والحياة المسيحية، تحدّث الكثير من آباء الكنيسة القدماء ومنهم القديس المعاصر سيرافيم ساروف فقال: “هدف الحياة المسيحية هو اقتناء الروح القدس”. معنى الحياة المسيحية الحقّ لا يقف على أن يكون الإنسان صالح اجتماعياً ومعطاء، أي بمعنى أن يكون إنسان جيد في هذا العالم، لكن أن يستطيع عيش الله بداخله. وهذا ليس من نسج خيال القديسين بل هو من حياة الكنيسة أتى به الإله المتجسد يسوع المسيح، فالمسيح تجسّد كي يجعل الإنسان إله، مُتْحداً الإنسان بذاته ومانحاً إياه سلطاناً على كل شيء “أنا الكرمة وأنتم الأغصان”، “أنتم جسد المسيح وأعضاؤه” وهذا يتحقق عبر بداية ًبالمعمودية المقدسة ومسحة الميرون المقدس وثم الاشتراك بالذبيحة الإلهية وكل هذا من باب التوبة.
تبدأ الحياة الروحية من ساعة دخول الإنسان بالمسيحية والكنيسة، ليحيا فيها ما يسمى الحياة المسيحية. هناك تطابق كامل بين الحياة الروحية والحياة المسيحية، وكل حياة خارج المسيح والكنيسة لا تعتبر صحيحة أي لا تُقدّم الخلاص للإنسان، لكن بالأحرى تجعل الإنسان بخطر أي أن يبقى معرّض للعيش بروح غريبة عن الروح القدس. لذلك يعتبر هدف الحياة المسيحية في اقتناء الروح القدس تتطابق مع ظهور نعمة الله في حياة الإنسان، النعمة ذاتها التي أخذها يوم معموديته ومسحة الميرون المقدس، فالإنسان مدعو أن يكون ما قد أعطي له في بداية حياته المسيحية بالمعمودية، أي مقتني لنعمة الروح القدس.
بعد أن يخطئ الإنسان تطغى عليه الخطيئة، وبالرغم من كونه ابن الله إلا أن الحياة الروحية لن تكون سهلة بل ستحتاج إلى تعاون مستمر بين الإرادة البشرية ونعمة الله، لذلك يصف بعض الآباء القديسين بأن الحياة الروحية لها صفات الحياة من قوة وإرادة وهي بثلاث مراحل: الطهارة والاستنارة والتأله.
أهم مرحلة للإنسان هي الأولى: الطهارة، لأنها تُظهر مقدار إرادة الإنسان أن يعمل مع الله، ففي هذه المرحلة ينقي الروحُ القدس الإنسانَ ليصبح قلبه مرآة تعكس أشعة نور الله “طوبى لأنقياء القلوب فإنهم لله يعاينون”، ومن طهارة القلب تأتي الاستنارة والقداسة. فيبدأ الإنسان أن يُظهر حياة المسيح وكأن المسيح قد سكن في قلبه، إذا الإنسان الروحي أو القديس هو ذاك الذي يحقق بداخله وبنعمة الله قول بولس الرسول: “إلى أن ننتهي جميعنا… إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح” (أفس13:4)، “أن يتصوّر المسيح فيكم” (غلا19:4).
تأخذ الأفكار مكاناً مهما في المرحلة الأولى من الحياة الروحية أي الطهارة، فالأفكار والصور القادمة، معظمها، من مصدر الشر أي الشيطان تصرف وتبعد الإنسان عن عيش الحياة الطبيعية مع يسوع المسيح. إن لم يتعلم المؤمن أن يواجه هذه الأفكار وأن يقارنها بالأفكار الحسنة الآتية من الله أو حتى المزروعة بداخله، من يوم معموديته بنعمة الروح القدس، فمن المرجّح أن يبدأ الدخول في فوضى وضياع من جهة الحياة الروحية، ويكشف الآباء القديسون موضوع اضطراب الأفكار ويكتبوا من خلال خبرتهم الشخصية كيفية مواجهة هذه الأفكار السيئة فالذي يتبع خبرتهم سيستطيع أن يتغلب على هذا الاضطراب والفوضى في الأفكار ويصل إلى حياة روحية مستقيمة، هذه التبعية لطرقهم في مواجهة اضطراب الأفكار والمدعوة بالأفكار الشريرة تُعتبر سرّ الحياة الروحية.
بالنظر إلى أهمية مواجهة الأفكار السيئة المضادة للحياة الروحية نرى أن الإنسان يخطئ كثيراً في إيجاد الطرق الصحيحة لمواجهة هذه الأفكار، معظمنا لا يعرف أن يواجه هذه الأفكار وخاصة الآتية من تحريض الشيطان التي تزداد وتضغط على الإنسان لتجعله يحيا حياته الحالية كما وكأنه في جحيم.
بالتالي ماذا يقول الآباء حول موضوع مواجهة الأفكار الشريرة؟
أولاً أن لا يكون لدينا ثقة بالأفكار المتعبة أبداً، أي عندما نعاني من أي فكر ونراه يتعبنا جداً فمن الأفضل أن نضعه بين يدي أب روحي، ومن جهة ثانية علينا أن نتعلم كيف نزدري بالأفكار الآتية من الشيطان، لكن كيف سنعرف ما هي الأفكار الآتية من الشيطان؟ عادة الفكر الشيطاني يُحضر معه الخوف والاضطراب والإرادة السيئة، من الشيطان نحو الإنسان، بينما فكر الله يُحضر معه المحبة نحو الآخر والسلام والإرادة لفعل الخير. يعلّمنا الله القدرة على التمييز بين الفكرين “من الثمر تُعرف الشجرة” (متى33:12). فعندما نشعر باضطراب ما عندها نعرف مصدره، فإذا سمعت أو رأيت أو فكّرت بشيء وشعرت باضطراب ما فاعرف أن وراء هذه الرؤى أو الكلام أو الأفكار هو الشيطان الشرير.
إذاً وضع الأفكار المتعبة بين يدي أب روحي هو أمر هام جداً في الحياة الروحية المسيحية، وعلينا الانتباه أن مواجهة الأفكار الغير سليمة لا يتم فقط برفضها، لأنها الرفض بالحقيقة يقوي التجربة النابعة من الأفكار، بل بتوجيه فكرنا وعقلنا بالاتجاه الصحيح أي نحو الله، ولنضع مكان الأفكار الشيطانية الفكر الصالح أي المسيح وكل تعاليمه، حياة وأقوال الآباء القديسين وكيف عبروا كل التجارب، وبما أننا لا نستطيع القضاء على الظلام فلنضيء فيه شمعةً، أي أن نتحول نحو نور المسيح ونبقى فيه، يا إخوة فليكن تعبنا في هذا العالم هو في إيجاد الجنة فيه.